عثمان بن جني ( ابن جني )

85

الخصائص

ومن حديث يزيدني مقة * ما لحديث الموموق من ثمن " 1 " أدلّ شيء على أن هناك إطالة وتماما ، وإن كان بغير حشو ولا خطل ؛ ألا ترى إلى قوله : " طرائفا من حديثها الحسن " فذا لا يكون مع الحرف الواحد ، ولا الكلمة الواحدة ، بل لا يكون مع الجملة الواحدة ، دون أن يتردّد الكلام ، وتتكرر فيه الجمل ، فيبين ما ضمّنه من العذوبة ، وما في أعطافه من النّعمة واللدونة " 2 " ؛ وقد قال بشّار : وحوراء المدامع من معدّ * كأن حديثها ثمر الجنان ومعلوم أنّ من حرف واحد ، بل كلمة واحدة ، بل جملة واحدة ، لا يجنى ثمر جنة واحدة ، فضلا عن جنان كثيرة . وأيضا فكما أنّ المرأة قد توصف بالحياء والخفر ، فكذلك أيضا قد توصف بتغزّلها ودماثة حديثها ، ألا ترى إلى قول اللّه سبحانه : عُرُباً أَتْراباً . لِأَصْحابِ الْيَمِينِ [ الواقعة : 37 ، 38 ] وأن العروب في التفسير هي المتحبّبة إلى زوجها " 3 " ، المظهرة له ذلك ؛ بذلك فسره أبو عبيدة . وهذا لا يكون مع الصمت ، وحذف أطراف القول ، بل إنما يكون مع الفكاهة والمداعبة ؛ وعليه بيت الشمّاخ : ولو أنى أشاء كننت جسمي * إلى بيضاء بهكنة شموع " 4 " قيل فيه : الشماعة هي المزح والمداعبة . وهذا باب طويل جدّا ، وإنما أفضى بنا إليه ذرو " 5 " من القول أحببنا استيفاءه تأنّسا به ، وليكون هذا الكتاب ذاهبا في جهات

--> ( 1 ) البيتان من المنسرح ، وهما بلا نسبة في لسان العرب ( طرف ) ، وتاج العروس ( طرف ) . ( 2 ) اللدونة : اللين ؛ واللدن : اللين من كل شيء من عود أو حبل أو خلق . اللسان : ( لدن ) . ( 3 ) للسيوطي بحث نفيس في العروب ومرادفاتها في كتابه الشيّق ( الأترنج في وصف الغنج ) . ( 4 ) البيت من الوافر ، وهو للشماخ في ديوانه ص 223 ، وكتاب العين 1 / 267 ، وتاج العروس ( شمع ) ، وشرح أشعار الهذليين ص 15 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( حشا ) ، والمخصص 4 / 2 . والبهكنة : الجارية الخفيفة الروح ، الطيبة الرائحة ، المليحة الحلوة . اللسان ( بهكنة ) والشموع : الجارية اللعوب الضحوك الآنسة ، والشمع والشّموع والشّماع والشماعة والمشمعة : الطرب والضحك والمزاح واللعب . والشماع : اللهو واللعب . اللسان ( شمع ) . ( 5 ) أي طرف .